واصف جوهرية
250
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
والجدير بالذكر أننا عندما كنا نعزف العود ونغني ما هب ودب من المواويل والقصائد والموشحات والطقاطيق تحت ظل الأشجار كانت تمر في الجو فوق رؤوسنا بعض طائرات العدو الإنجليزي ، وكان ذلك في منتصف سنة 1917 فصل الصيف فيقوم العم أبو سليم بثوب النوم ، وكان قصير القامة وينادي بأعلى صوته مخاطبا الطائرة فيقول " خلصونا عاد أدخلوا بلادنا وخلصونا من إستبداد واستعباد الأتراك " ، وهذا دليل واضح على رغبة أهالي فلسطين الصادقة التخلص من نير بني عثمان ومادروا أن بريطانيا خانت العهد وباعت البلاد وذلك قبل احتلالها سرا إلى اليهود . وكثيرا ما كنت أذكر العم أبو سليم بما كان يعمله ونحن شاطحين في داره وذلك بعد الاحتلال البريطاني فينكسف ويقول واللّه يا واصف غشونا وجبنا الأقرع ليونسنا كشف قرعته وخوفنا . . فيا حبذا لو بقينا على دينا العتيق أي تحت الحكم التركي . كانت فروسو الوالدة في أوج صباها وكانت قادة الأتراك خصوصا بالقدس يسجدون لها وكانت تعزف على العود وتغني بصوتها الحنون الأغاني الجميلة وتدهش الحضور وقد علمتها طقطوقة عراقية وقد أبدعت بإلقائها كل الإبداع . هذه الأغنية : يابا يابا آه يا عبود * عيني عيني آه يا عبود وعليه ما تعلمنا ياخي دق العود * وعليه ما تحرمنا من الموجود كانت من مقام البستكار أي صبا وترتكز على درجة السيكا وقد اشتهرت هذه الأغنية بين أهالي القدس فكانت تغني في أكثر السهرات وقد حفظتها من جندي عراقي كان يجيد الغناء بدون عزف على الآله . مشيا على الأقدام أريحا أتممت إجازتي التي حصلت عليها من قوماندان أريحا وبقيت بالقدس من سهرة إلى شطحة بين الأصدقاء والخلان زيادة عن المدة بثلاث أسابيع وهكذا صممت النزول إلى أريحا بصفتي جنديا وقد صادقت كمال بك صديقي فأخذني وطلب من قائد ألماني كان في عمارة المسكوبية وعنده قافلة من التركات الأتوموبيلات المعدة لنقل عتاد الجيش فقبل بكل سرور . وفي صباح ثاني يوم أخذت ثيابي وبعض الهدايا والطعام داخل خرج وركبت في التراك من عمارة المسكوبية فمشت القافلة إلى أن وصلت المفرق المؤدي إلى أريحا وإلى البحر الميت فوقف الضابط وأمرني بالنزول كي أذهب إلى أريحا وتركني وشأني كان الوقت الساعة الثانية من بعد ظهر نهار من شهر آب ، وقفت مبهوتا لا أدري ماذا أعمل ولم أرى ما يمكن ركوبه وكانت أيام حرب فاضطررت على المشي على الأقدام أحمل الخرج حملا ثقيلا على كتفي ومشيت على